ملا محمد مهدي النراقي

40

جامع السعادات

المحرمات : من الخيانة ، والغصب ، والرياء ، والكذب ، والنفاق والمداهنة ، وسائر الأخلاق المهلكة ، والأشغال الردية ، لينتظم أمر دنياه ويتيسر له تنعمه . وما أقل لصاحب الثروة والمال ألا يصير التنعم مألوفا له ، إذ متى يقدر أن يقنع بخبز الشعير ولبس الخشن وترك لذيذ الأطعمة بأسرها ، فإنما ذلك شأن نادر من أولي النفوس القوية القدسية ، كسليمان بن داود ( ع ) وأمثاله . على أن من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس ، ومن أحتاج إلى الناس فلا بد أن ينافقهم ويسخط الله في طلب رضاهم ، فإن سلم من الآفة الأولى ، أعني مباشرة المحرمات ، فلا يسلم من هذه أصلا . ومن الحاجة إلى الناس تثور العداوة والصداقة ، ويحصل الحقد ، والحسد ، والكبر ، والرياء ، والكذب ، والغيبة ، والبهتان ، والنميمة ، وسائر معاصي القلب واللسان ، وكل ذلك يلزم من شؤم المال والحاجة إلى حفظه وإصلاحه . وثالثها - وهو الذي لا ينفك عنه أحد من أرباب الأموال ، وهو أنه يلهيه إصلاح ماله وحفظه عن ذكر الله تعالى ، وكل ما يشغل العبد عن الله تعالى فهو خسران ووبال . ولذا قال روح الله ( ع ) : " في المال ثلاث آفات ، أن يأخذه من غير حله " ، فقيل : إن أخذه من حله ؟ قال : " يضعه في غير حقه " ، فقيل : إن وضعه في حقه ؟ فقال : " يشغله إصلاحه عن الله " . وهذا هو الداء العضال ، إذ أصل العبادات وروحها وحقيقتها هو الذكر والفكر في جلال الله تعالى ، وذلك يستدعي قلبا فارغا . وصاحب الضيعة يصبح ويمسي متفكرا في خصومة الفلاح ومحاسبته وخيانته ، ومنازعة الشركاء وخصومتهم في المال والحدود ، وخصومة أعوان السلطان في الخراج ، وخصومة الأجراء في التقصير في العمارة وغير ذلك . وصاحب التجارة يكون متفكرا في خيانة الشركاء وانفرادهم بالربح وتقصيرهم في العمل وتضييعهم المال ، ويكون غالبا في بلاد الغربة متفرق الهم محزون القلب من كساد ما يصحبه من مال التجارة . وكذلك صاحب المواشي وغيره من أرباب أصناف الأموال . وأبعدها عن كثرة الشغل النقد المكنون تحت الأرض ، وصاحبه أيضا لا يزال متفكرا مترددا فيما يصرف إليه ، وفي كيفية حفظه ، وفي الخوف ممن يعثر عليه ، وفي دفع طمع الخلق منه . وبالجملة : أودية